ابن الجوزي
232
صفة الصفوة
أحمد بن أبي الحواريّ قال : أنا أحمد بن عاصم الأنطاكي قال : إذا صارت المعاملة إلى القلب استراحت الجوارح . قال : وسمعته يقول : هاه غنيمة باردة أصلح فبما بقي يغفر لك ما قد مضى . وسمعته يقول : ما أغبط أحدا إلا من عرف مولاه وأشتهي أن لا أموت حتى أعرفه معرفة العارفين الذين يستحبّونه لا معرفة التصديق . أحمد بن عبد اللّه قال : سمعت أبي يقول : سمعت خالي عثمان بن محمد بن يوسف يقول : سمعت أبي يقول : قال أحمد بن عاصم : أنفع اليقين ما عظّم في عينيك ما به أيقنت وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي ، وأطال منك الحزن على ما فات ، وألزمك الفكر في بقيّة عمرك وخاتمة أمرك ، وأنفع الصّدق أن تقر للّه عزّ وجل بعيوب نفسك ، وأنفع الحياء أن تستحيي أن تسأله ما تحبّ وتأتي ما يكره ، وأنفع الصبر ما قوّاك على خلاف هواك وأفضل الجهاد مجاهدتك نفسك لتردّها إلى قبول الحق ، وأوجب الأعداء منك مجاهدة أقربهم منك دنوّا وأخفاهم عنك شخصا وأعظم لك عداوة وهو إبليس . قلت : فما ترى في الأنس بالناس ؟ قال : إن وجدت عاقلا مأمونا فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السّباع . قلت : فما أفضل ما أتقرّب به إلى اللّه عزّ وجل ؟ قال : ترك معاصيه الباطنة - قلت : فما بال الباطنة أولى من الظاهرة ؟ قال : لأنك إذا اجتنبت الباطنة بطلت الظاهرة والباطنة ، قلت : فما أضرّ الطاعات لي ؟ قال : ما نسيت بها مساوئك ، وجعلتها نصب عينيك إدلالا بها وأمنا . قال : وسمعته يقول : استكثر من اللّه عزّ وجلّ لنفسك قليل الرزق تخلّصا إلى الشكر ، واستقلل من نفسك للّه عزّ وجلّ كثير الطاعة إزراء على النفس وتعرّضا للعفو ، واستجلب شدّة التيقظ بشدّة الخوف ؛ وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة ، واقطع أسباب الطمع بصحّة اليأس ؛ وسدّ سبيل العجب بمعرفة النفس ، واطلب راحة البدن باجمام القلب ، وتخلص إلى إجمام القلب بقلّة الخلطاء ، وتعرض لرقّة القلب بدوام مجالسة أهل الذكر ، وبادر بانتهاز البغية عند إمكان الفرصة ، وأحذّرك « سوف » « 1 » .
--> ( 1 ) أي التسويف .